عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
374
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
( الحكاية الثانية والأربعون بعد الأربع مئة عن الشيخ صفى الدين بن أبي المنصور ) قال الشيخ صفىّ الدين بن أبي المنصور تلميذ الشيخ أبى العباس المذكور رضى اللّه تعالى عنهما : كانت لأستاذى أبى العباس ابنة تطلعت نفوس أصحابه ومحبيه إلى التزوج بها ، فاطلع الشيخ على ما في نفوسهم ، فقال لهم هذه البنت التي لي لا يخطر لأحد تزويجها ، فإنها ساعة ولدت أطلعنى الحقّ سبحانه وتعالى على زوجها من هو وأنا أنتظره ، قال الشيخ صفى الدين وكنت حينئذ وراء الفرات مع والدي في وزارة الملك الأشرف ، فلما جئنا إلى مصر بعث الملك العادل والدي رسولا إلى مكة عند أبي عزيز ليعين الملك المسعود ابن الملك الكامل إلى اليمن ، فجئت أنا حينئذ إلى الشيخ أبى العباس الحرّار وصحبته وكنت وأنا صغير إذا ذكر عندي الشيوخ والأولياء تلوح لي صورته ، فلما صحبته غيرت هيئتى وكانت هيئة جميلة ، لي الثياب المذهبة والبغلة الحسنة وغير ذلك ، وهجرت الأهل ولزمت الشيخ إلى أن قدم والدي من مكة في حشكلة عظيمة ، وخرج من مصر للقائه خلق كثير بجميع الاهتمام والخيام ، فقال لي الشيخ اخرج للقاء والدك ، فقلت يا سيدي ما بقي لي والد غيرك وأنا لا أركب لهم شيئا من دوابهم ، ولا آكل معهم ، قال تخرج على كلّ حال ، فخرجت على دويبة في هيئة رثة وأهلي يبكون على حالي ، فلما لقيت والدي في بركة الحاج سلمت عليه وحدى ، فلم يعرفني هو ولا من حوله ، وكان معه عسكر أجناد ومماليك وخدام ، فلما عرفني بعد ذلك وقف واصفرّ وجهه وبهت بهتة أسأل اللّه أن يثيبه عليها ، ثم مشوا وبقوا متعحبين وإذا بأهلي وإخوتي ، وكل من خرج من الطوائف وصلوا واجتمعوا وأنا في ناحية وحدى ، ولما نزل البكة قدمت إليه التقاديم ، وجمع على سماطه كل من جاء صحبته وكل من خرج لأجله إلا أنا لم أحضر معهم ، وانفردت وحدى أبكى بكاء شديدا ، بكاء أسير قد أخذ من أهله وحيل بينه وبين أحبته ، وفي آخر الحال هددني بالقيد والحبس إن لم أعد لما كنت عليه معه ، فأخبرت الشيخ فطردنى وقال روح إلى أبيك ولا تعد إلىّ فبكيت زمانا ، وكنت أنشد ما قاله مجنون ليلى : جننا بليلى ثم جنت بغيرنا * وأخرى بنا مجنونة لا نريدها وأطلعنى اللّه على سرّ مقصود الشيخ أنه أحالنى على صدقي ليكون